الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

418

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وتقدّمت في إصلاح طعامي وشرابي بما احتجت إليه ، وأمرت بوّابي فأغلق الأبواب وتقدّمت ألّا يأذن عليّ لأحد ، فبينا أنا في مجلسي والحرم قد حفّوا بي وجواريّ يتردّدن بين يديّ ، إذا أنا بشيخ ذي هيئة وجمال عليه خفّان قصيران وقميصان ناعمان ، وعلى رأسه قلنسوة لاطية وبيده عكازة مقمّعة بفضة ، وروائح المسك تفوح منه حتى ملأ البيت والدار ، فداخلني بدخوله عليّ مع ما تقدّمت فيه غيظ ما تداخلني قط مثله ، وهممت بطرد بوّابى ، فسلّم عليّ أحسن سلام فرددت عليه وأمرته بالجلوس ، فجلس ثم أخذ في أحاديث الناس وأيّام العرب وأشعارها حتى سلّى ما بي من الغضب ، وظننت أنّ غلماني تحرّوا مسرّتي بإدخالهم مثله عليّ لأدبه وظرفه ، فقلت : هل لك في الطعام فقال : لا حاجة لي فيه . فقلت : هل لك في الشراب فقال : ذاك إليك . فشربت رطلا وسقيته مثله : فقال لي : يا أبا إسحاق هل لك أن تغنّي لنا شيئا من صنعتك وما قد نفقت به عند الخاص والعام ، فغاظني قوله ، ثم سهّلت على نفسي أمره ، فأخذت العود فجسسته ثم ضربت فغنّيت ، فقال : أحسنت يا إبراهيم . فقلت : ما رضي بما فعله من دخوله عليّ بغير إذن ، واقتراحه أن أغنيّه حتى سمّاني ولم يكنّني ولم يجمل مخاطبتي ، ثم قال : هل لك أن تزيدنا ، فتذمّمت فأخذت العود فغنّيت فقال : أجدت يا أبا إسحاق فأتمّ حتى نكافئك ونغنّيك ، فأخذت العود وتغنّيت وتحفّظت وقمت بما غنيّته إياّه تامّا ما تحفّظت مثله ولا قمت بغناء كما قمت به له بين يدي خليفة قطّ ، لقوله : أكافئك ، فطرب وقال : أحسنت يا سيدي . ثم قال : أتأذن بعدك بالغناء . فقلت : شأنك - واستضعفت عقله في أن يغنّي بحضرتي بعد ما سمعه منّي - فأخذ العود وجسه فو اللّه لخلته ينطق بلسان عربيّ لحسن ما سمعت من صوته ثم تغنّى : ولي كبد مقروحة من يبيعني * بها كبدا ليست بذات قروح